الاثنين، 29 يونيو 2015

خلق الحلم ... بقلم الشاعر محمد الخضري


الحلم : هو الأناة والتثبت في الأمر، وضبط النفس وكظم الغيظ .
فالحليم هو الذي لا يستفزه الغضب ، ولا يتسرع بالعقوبة، بل يتريث، ويتصرف على وفق مقتضيات الحكمة .
والحلم صفة من صفات ربنا فهو الحليم بعباده، (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً) (الأحزاب:5) ، ومعناه : الصبور الذي لا يستخفه عصيان العصاة ، ولا يستفزه الغضب عليهم فيعجل بالانتقام منهم، ولكن يفسح لهم باب التوبة والندم، أو يمهلهم ليقيم عليهم الحجة، فإذا أخذهم أخذهم، بحق وحكمة، أخذ عزيز مقتدر : " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " .
وليس معنى الحلم التباطؤ والكسل، وإنما هو وسط بين طرفين ، وفضيلة بين رذيلتين ، فإذا زاد عن حدُّه كان توانيًا وإهمالاً أو تبلُّدَ طبع، وانعدامه أو ضعفه عجلة وطيش وسرعة غضب، والأصل هو القصد والاعتدال .
الحلم محمود شرعا وعقلا
والحلم خلق محمود شرعًا وعقلاً، فالعقل السليم يدرك خطر الاندفاع وراء العواطف والغرائز ، أو وراء الانفعالات والشهوات، أو وراء كل ما يميل بصاحبه نحو الجنوح والانحراف. كما أنه يعلم فضيلة التأني والتريث، وضبط النفس وعدم العجلة، وما وراء ذلك من منافع جمة، ومقاصد مهمة.
وأما في الشرع ، فيكفي الحلم فضيلة أن يتصف الله تعالى به ويتسمى به ، فالحلم اسم من أسماء الله الحسنى وصفة من صفاته العلا .
وقد امتدح الله رسوله عليه الصلاة والسلام على كل أخلاقه، ومنها الحلم الذي كان شامة في أخلاقه صلى الله عليه وسلم .
روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال : بينا نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه ، مه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تزرموه ( أي لا تقطعوا عليه بوله)، دعوه " قال أنس : فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له : " إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن " . أو كما قال صلى الله عليه وسلم . قال أنس : وأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فسنَّه ( أي فصبه ) عليه .
وروى الشيخان أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كأني أنظر إلى رسول الله يحكي نبيًا من الأنبياء صلوات الله عليهم ، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " .
فأي شفقة وأي عفو وصفح وحلم يضاهي هذا الحلم إلا حلمه هو نفسه عمن آذوه في ثقيف ، فعرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين فقال :" بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا " . متفق عليه .
أو حلمه العظيم حين مكنه الله من قريش فعفا وصفح ولم يثرِّب ، بل قال قولته المشهورة : "اذهبوا فأنتم الطلقاء" .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة أقلام و أوراق ( صدى الحروف )

رئيس التحرير عابد جنان - خولة كرمتي - ابو محمد عبد الحميد